الشيخ محمد علي طه الدرة
16
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
ابتداء لنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمخاطب بذلك كفار قريش ، وانظر الكلام على الأقوام الثلاثة مفصلا في سورة ( الأعراف ) ، وسورة ( هود ) عليه السّلام ، والمقصود منه التذكير بأمر القرون الماضية ، والأمم الخالية ، وحصول العبرة ، والعظة بأحوال من تقدم ، وهلاكهم بسبب سوء أعمالهم . وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ أي : الأقوام الثلاثة . لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ : لا يحصي عددهم ، ولا يعرف نسبهم إلا اللّه تعالى ، كما قال جل ذكره : وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً . والنسابون في جميع العصور ، وإن نسبوا إلى آدم ؛ فلا يدّعون إحصاء جميع الأمم ، وإنما ينسبون البعض ، ويمسكون عن نسب البعض ، وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما سمع النسابين ينسبون إلى معد بن عدنان ، ثم زادوا ، فقال : « كذب النسابون : إن اللّه يقول : لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ » . وقد روي عن عروة بن الزبير - رضي اللّه عنهما - : أنه قال : ما وجدنا أحدا يعرف ما بين عدنان وإسماعيل ، وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون . جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ : بالدلالات الواضحات ، والمعجزات الباهرات . فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ : عضوها غيظا مما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسّلام ، فيكون كقوله تعالى : عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ، أو وضعوا أيديهم على أفواههم تعجبا مما جاءت به الرسل ، أو استهزاء عليه ، كمن غلبه الضحك ، أو هو إسكات للرسل ، أي أشاروا بأيديهم إلى أفواههم : أن اسكتوا تكذيبا لهم ، أو هو أمر لهم بإطباق الأفواه ، وأشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم ، وما نطقت به من قولهم : إِنَّا كَفَرْنا إشارة على أن لا جواب لهم سواه ، أو المعنى ردوا الأيدي في أفواه الأنبياء يمنعونهم من التكلم ، وعلى هذا يحتمل أن يكون تمثيلا ، وقيل : الأيدي بمعنى : الأيادي ، أي أيادي الأنبياء ، التي هي مواعظهم ، وما ، أوحي إليهم من الحكم والشرائع في أفواههم ؛ لأنهم إذا كذبوا ، ولم يقبلوا ، فكأنهم ردوها إلى حيث جاءت منه . هذا ؛ وجمع أَفْواهِهِمْ على الأصل ؛ لأن الأصل في فم : فوه ، مثل حوض ، وأحواض ، وثوب ، وأثواب . وانظر شرح اليد في الآية رقم [ 50 ] من سورة ( يوسف ) عليه السّلام . وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ أي : كفرنا بما تدعون ، وتزعمون : أن اللّه أرسلكم به ؛ لأنهم لم يعترفوا بأن اللّه أرسلهم ولو اعترفوا لكانوا مؤمنين . وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ أي : من التوحيد ، وعبادة إله واحد ، ونبذ عبادة الأصنام . مُرِيبٍ : موقع في الريبة . الإعراب : أَ لَمْ الهمزة : حرف استفهام وتقرير . ( لَمْ ) : حرف نفي وقلب وجزم . يَأْتِكُمْ : مضارع مجزوم ب : ( لَمْ ) ، وعلامة جزمه حذف حرف العلة ، وهو الياء ، والكسرة قبلها دليل عليها ، والكاف مفعول به . نَبَؤُا : فاعل ، وهو مضاف ، و الَّذِينَ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة ، مِنْ قَبْلِكُمْ : متعلقان بمحذوف صلة الموصول ، والكاف في محل جر بالإضافة . قَوْمِ : بدل من الَّذِينَ ، بدل بعض من كل ، و قَوْمِ مضاف ،